حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )
286
شاهنامه ( الشاهنامه )
ذلك إعطاء الملك كيخسرو الأمان لأسرة أفراسياب وذويه فاستدعى الموابذة والثقات ، وجعلهم على خزائن أفراسياب ، وأمرهم بحفظ مستودعاتها ، وأوصاهم بألا يخلّوا أحدا يقرب من أبواب حجره ، ولا أن يسمع أحد صوت أحد من حرمه . وأنفذ من يحتاط على خيله ، وأمر الحفظة بضبط أسبابه ومخلفاته . وأمر بألا يتعرض لأقربائه بسوء ولا يصابوا بمكروه ، وفعل َ من ملك فأسجح ، وقدر فأعتق ، وأسر فأطلق . فقال الإيرانيون بعضهم لبعض : كأن كيخسرو جاء إلى ضيافة أبيه ، ونزل بين أهله وذويه . فما باله لا يضع فيهم سيف الانتقام ، ولا يدير عليهم كأس الحمام ؟ ولا يهدم القصر والإيوان ، ولا يطرح في مساكن عدوّه النيران ؟ وشاع هذا الكلام فاستدعى وجوه العسكر وعقلاءهم وقال : لا يجوز استعمال العنف والشدة في كل موطن . والعدل أولى بنا في طلب الثار ، وحقيق بنا طلب حسن الأحدوثة عند الاقتدار . فإن الذكر الجميل خير ما يخلفه المرء في هذه الدنيا الفانية . ثم أمر في السر بدخول حرم أفراسياب عليه . فدخلت عليه زوجته ، وكانت ملكة نساء توران ، ومعها بناتها الأكبار كأنهن الأقمار ، وعلى رؤوسهن أكاليل الياقوت ، وبأيديهم أطباق من الذهب مملوءة بالمسك والعنبر ، وهو نواكس الأبصار خواضع الأعناق هيبة له . فتقدّمت الملكة وسجدت له وأجهشت بالبكاء وانتحبت وقالت : أيها الملك ! ارحم من لم يعوّد غير الترف والدلال ، ولم يتقلص قط عنه ظل الشرف والجلال . ما أحسن ما كان يكون لو قدمت إلى ممالك توران وأنت غير موتور ولم يكن سياوخش مقتولا ، ولكن قضى اللّه أمرا كان مفعولا . وإن أفراسياب لم يترك للصلح موضعا . وقد أراق بسوء صنيعه ماء وجهه فليس يستطيع أن ينظر إليك . وكم نصحته فما نفع ، ووعظته فما ارتدع . واللّه شاهد لي أنى بكيت بين يديه غير مرة من أجل سياوخش . وكذلك ولدى جهن أسيرك وقريبك . وكم قرعنا مسامعه بالتخويف والإنذار في معناه فتولى وأعرض حتى أتاه مثل هذا اليوم فقلب ملكه ظهرا لبطن ، وعكس عليه كل أمر » . ولم تزل تتضرع اليه وتخضع له وتلطف في كلامها حي في لها الملك ومن حضر من الأمراء . فأمّنهن . صرفهم إلى خدورهن وأحسن إليهن . نصيحة الملك كيخسرو إلى الإيرانيين الفاتحين وأمر العساكر بأن يكفوا جميع ما حصل من المغانم وذخائر الملوك التورانية عامة ، سوى خزائن أفراسياب خاصة ، فإنها كانت صفية الملك من المغنم . وانثال على حضرته أمراء الترك من جميع النواحي والأطراف باذلين السمع والطاعة ، منسلكين في سلك الخضوع والضراعة . فقبلهم وحقق آمالهم . ثم أقطع أصبهبذيته وأمراءه بلاد توران ، وأعطى كل واحد منهم ناحية منها . وأقام في جنة كنك ملكا مطاعا ، وأضحى ملوك تلك